فصل: مسألة حل النجم الثاني قبل عجزه فتعذر على المكاتب وانتظر لما يرجى له:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة يقول اخدم ابني كذا وكذا سنة ثم أنت حر فيموت قبل الأجل:

ومن كتاب شهد على شهادة ميت:
قال: وسئل عن امرأة قالت لخادمها عند موتها: ربي ولدي هذا وأدي ثلاثين دينارا ثم أنت حرة والولد صغير حين وضعته أمه ثم هلكت، فلم تلبث إلا يسيرا هلك الصبي ولها ولد غيره.
قال ابن القاسم: إذا أدت الثلاثين دينارا فهي حرة؛ لأنها إنما أرادت تربية الغلام ما عاش إلى أن يبلغ.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنها عينت الولد ولم تحد لتربيتها إياه حدا من السنين، فوجب أن يحمل ذلك على حياته، ولو حدت لتربيتها إياه حدا من السنين والأعوام لوجب أن لا يكون عليها شيء فيما اشترط عليه من تربيتها فيما بقي من المدة لأنها إنما أرادت كفالة الولد وتربيته، لا هبة خدمتها له فتكون موروثة عنه على معنى ما في المدونة في الذي يقول: اخدم ابني كذا وكذا سنة ثم أنت حر فيموت قبل الأجل، إنه حر إذا لم يكن من عبيد الخدمة، وإنما أريد به ناحية الكفالة والحضانة. فإذا سقطت تربية الولد عنها بموته وجب أن تجب لها الحرية بأداء الثلاثين دينارا كما قال، وبالله التوفيق.

.مسألة قال الرجل لعبده أنت حر على أن تدفع إلي كذا وكذا:

وسألت عن رجل قال لغلامه: أعتقك على أن لا تفارقني فإن فارقتني فعليك خمسون دينارا فأعتقه على ذلك، هل ترى هذا الشرط لازما له؟ قال ابن القاسم: أراه حرا وعليه خمسون دينارا، وأما ما اشترطه عليه من أن لا يفارقه فهو باطل كأنه أعتق على أن يدفع إليه خمسين دينارا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه بتل عتقه وشرط عليه بعد العتق أحد الوجهين إما أداء خمسين دينارا وإما أن لا يفارقه، وأحد الوجهين لا يجوز اشتراطه عليه بعد العتق، وهو أن لا يفارقه، فوجب أن تجب عليه الخمسون التي يجوز اشتراطها بعد العتق.
وقوله: كأنه أعتقه على أن يدفع إليه خمسين دينارا معناه كأنه أعتقه على أن يدفع إليه خمسين دينارا بعد العتق، وأما إذا قال الرجل لعبده: أنت حر على أن تدفع إلي كذا وكذا فمذهب ابن القاسم في ذلك إن قبل العبد ذلك كان حرا إذا أدى ذلك، وإن لم يقبل فلا حرية له، وفي ذلك اختلاف كثير سأذكره في رسم الصبرة من سماع يحيى إن شاء الله.

.مسألة تحضره الوفاة فيقول لرجل خذ من عبدي فلان مائة:

ومن كتاب الرهون:
وعن رجل تحضره الوفاة فيقول لرجل: خذ من عبدي فلان مائة دينار ثم هو حر أتنجم عليه؟ قال: لا أرى أن تنجم عليه تؤخذ منه جميعا إلا أن يكون أمر أن تنجم عليه.
قال محمد بن رشد: لم ير أن تنجم عليه المائة لقوله فيها خذ لأن الظاهر من لفظ الأخذ في الشيء أخذه مجتمعا، فوجب أن يحمل على ذلك إلا أن تقترن به قرينة تدل على أنه لم يرد أخذ ذلك منه جميعا معا، فينجم عليه كما لو أمر أن تنجم عليه، فليس ذلك بخلاف لما في المدونة من أنه إذا قال لأمة له إن أديت إلي أو إذا أديت إلى ورثتي ألف درهم أو أد إلى ورثتي ألف درهم والثلث يحملها أنها إذا أدت الألف درهم فهي حرة ويتلوم له السلطان على قدر ما يرى يوزعه عليها؛ لأن لفظ الأداء للمشتري لا يقتضي في ظاهره أخذه مجتمعا معا، وبالله التوفيق.

.مسألة اقتسام الشركاء في الكتابة:

من سماع يحيى ابن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن ورثة ورثوا مكاتبا أيجوز لهم اقتسام كتابته فينظره منهم من أحب، ويتعجل من كره النظرة كما يجوز ذلك للشركاء في اقتسام الدين يكون لهم على الغريم؟ فقال: لا يجوز للورثة أن يقتسموا ما على المكاتب إلا عند انقضاء كل نجم، وذلك أن النجوم التي عليه ليست بدين ثابت فيقسم كاقتسام الدين الذي يكون للشركاء على الغريم، ومما يبين ذلك أن مالكا قال في المكاتب يكون بين الرجلين: إنه ليس لأحدهما أن يبيع نصيبه من الكتابة دون صاحبه إلا أن يبيعا جميعا، ولا تجوز القسمة إلا فيما يجوز بيعه من الديون.
قال محمد بن رشد: أما اقتسام الشركاء في الكتابة كتابة المكاتب بينهم فلا اختلاف في أن ذلك لا يجوز؛ لأنهم إذا اقتسموا كتابته صار كل واحد كأنه قد كاتبه على حصته دون شركائه، وذلك ما لا يجوز؛ لأنه غرر، إذ ليست الكتابة بدين ثابت، فقد يعجز في نصيب أحدهما فيرجع حظه منه رقيقا ويؤدي إلى الآخر فيعتق حظه ويصير ذلك خلاف السنة الثابتة عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في قوله: «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه قيمة العدل» الحديث، وأما بيع أحد الشريكين نصيبه من كتابة المكاتب فقد مضى ذكر الاختلاف فبه وتحصيله في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم، ولا يدخل هذا الاختلاف في فسخ كتابة المكاتب بدليل قوله: ولا تجوز القسمة إلا فيما يجوز بيعه من الديون؛ لأن المعنى في ذلك ولا تجوز القسمة إلا في الديون التي يجوز بيعها إلا في الكتابة إذ ليست من الديون وإنما هي جنس من إلغاء مبطل فترجع إلي الرقبة، وبالله التوفيق.

.مسألة حل النجم الثاني قبل عجزه فتعذر على المكاتب وانتظر لما يرجى له:

قلت أرأيت إن حل نجم من نجوم المكاتب فقال أحد الورثة: بدؤوني بهذا النجم واقتضوا ما أنقدكم به في القبض مما بقي عليه من نجومه أيجوز ذلك؟ قال: نعم لا بأس به، قلت فإن عجز المكاتب ولا مال له؟ قال: يرجع المقتضي بحصته في الرقبة ويغرم للشركاء حصصهم فيما كانوه بدأوه به، وذلك أنه كان منهم كالسلف عليه لهم، قلت: فإن كان حين حل النجم أعسر به فأنظروه إلا واحدا شح واقتضى ثم عجز؟ قال: يرجع المقتضي بحصته في الرقبة ولا يغرم لشركائه شيئا، وذلك أنه إنما اقتضى نصيبه ولم يبدؤوه بشيء، قال: وإن مات المكاتب عن مال وقد اقتضى أحدهم حقه من نجوم المكاتب وأنظره الآخر دون اقتضاء من بقي، ثم اقتسموا ما بقي وإن لم يكن فيما ترك وفاء وقد اقتضى بعضهم بعض حقه وأنظره بعض بجميع حقه اقتسموا ما ترك على حساب ما بقي لكل واحد من حصته من النجوم على قدر ما كانوا يطلبونه كما يقسم مال المفلس على قدر أموال أهل الديون.
قلت: أرأيت حين بدأوه يتقاضى نجما أو نجمين ليقتضوا مما باقي من النجوم، فقلت: إن عجز رد عليهم بقدر ما ينوبهم مما اقتضى ورجع بحصته في الرقبة أرأيت إن لم يعجز؟ فلما حلت النجوم قالوا لشركائهم: اقضنا ما قدمناك به سلفا مما لك فاقبض أنت ونحن المكاتب واقضنا ما قد صار لنا قبلك أترى ذلك عليه؟ قال: لا أرى لهم قبله شيئا إلا أن يعجز المكاتب.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها؛ لأن المكاتب إذا كان بين الشريكين فيبدئ أحدهما صاحبه بنجم من نجومه على أن يأخذ النجم الآخر فيما بدأه به سلف منه له، فإن عجز المكاتب في النجم الآخر رد الذي قبض النجم الأول نصفه ورجع بحظه في رقبة المكاتب، وإن مات وترك مالا استوفى الذي لم يقبض شيئا من ماله مثل ما قبض صاحبه وكان ما بقي من ماله بينهما، وإن لم يكن فيما ترك من المال وفاء لما قبض صاحبه اتبعه بما بقي من حقه، مثال ذلك أن يكون النجم الذي قبض خمسين وترك المكاتب من المال ثلاثين فيرجع عليه بعشرة، ولو عجز أو مات قبل محل النجم الثاني لم لكن عليه رجوع حتى يحل الثاني، قاله في كتاب ابن المواز قال محمد: ولو حل النجم الثاني قبل عجزه فتعذر على المكاتب وانتظر لما يرجى له لكان على الشريك أن يعجل لشريكه سلفه ثم يتبعان المكاتب بالنجم الثاني.
وإنما قال: إذا حل النجم الثاني ولم يمت ولا عجز إنه لا يلزمه أن يقضيه معه لأنه إنما بدأه من النجم الأول على أن يقبض هو الثاني، فكأنه قد التزم اقتضاءه هذا معنى ما ذهب إليه في الرواية.
وأما إذا حل النجم على المكاتب فأنظره أحدهما بحقه فيه وشح صاحبه فاقتضى حقه منه فلا رجوع له عليه إن عجز أو مات ولم يترك شيئا، ويكون له حظه من رقبة المكاتب في العجز، وإن ترك مالا استوفى منه الذي لم يقبض شيئا مثل ما قبض صاحبه، وكان ما بقي بينهما.
وإن لم يكن فيما ترك وفاء لما قبض صاحبه اقتسما ما ترك على قدر ما لكل واحد منهما يضرب الأول بما بقي له من النجم الأول، والثاني بجميع النجم الثاني على سنة التحاص في مال المفلس كما قال، واقتضى أحد الشريكين في المكاتب من الكتابة شيئا دون شريكه بتبدئته إياه بذلك أو بغير تبدئة خلاف حكم قطاعة أحدهما المكاتب بإذن شريكه أو بغير إذنه.
أما إذا قاطعه بإذنه ثم عجز في نصيب شريكه فهو بالخيار بين أن يرد نصف ما قاطعه به ويكون حظه في رقبة العبد، وبين أن يتمسك بقطاعته ولا يكون له في رقبة المكاتب شيء، وأما إذا قاطعه بغير إذنه ثم عجز في نصيب شريكه فليس له أن يرجع في رقبة المكاتب وإنما له ما قاطع به، وحكم الموت والعجز سواء إذا قاطعه أحدهما بغير إذن شريكه، تلزمه القطاعة ولا يكون له شيء في رقبته إن عجز، ولا في ماله إن مات؛ لأنه قد رضي بما قاطعه به، فليس له أن يرجع في رقبته إن عجز، ولا في ماله إن مات صح إلا أن لا يشاء شريكه أن يمضي له ما فعل من قطاعته إياه فيرجع عليه بنصف ما قاطع به ويكون العبد بينهما إن عجز، وإن مات ولم يف ما ترك بما قاطع به رجع عليه بنصف الزائد إن كان قاطعه بعشرين فمات ولم يترك إلا عشرة رجع عليه بخمسة.
وأما إذا قاطعه أحدهما في نصيبه بإذن شريكه فقال: إن الموت في ذلك كالعجز أيضا يكون الذي قاطع مخيرا بين أن يتمسك بقطاعته ولا يكون له شيء من ميراثه، وبين أن يرد نصف ما قاطع به ويكون الميراث بينهما، قاله في الموطأ، رواية يحيى ذلك غلط وقع في روايته، وإنما الحكم في ذلك أن يستوفى الذي لم يقاطع مما ترك المكاتب حقه من الكتابة أو بقية حقه منها إن كان قبض الذي قاطع، ويكون بقية المال بينهما، وهو نص قول مالك في موطأه في الباب نفسه في صدر كلامه، وبالله التوفيق.

.مسألة يشتري ما على مكاتب لو ملك رقبته عتق عليه بالرحم:

ومن كتاب يشتري الدور والمزارع:
وسألته عن الرجل يشتري ما على مكاتب لو ملك رقبته عتق عليه بالرحم، فقال: أرى أن الذي على المكاتب موضوع عنه، فقيل له: ولم لم يملك رقا؟ ألا ترى أنه لو أدى ما عليه كان ولاؤه للذي عقد كتابته؟ قال: وإن كان ولاؤه للذي عقد كتابته فإن الذي اشترى الكتابة إذا كان ممن لو ملكه عتق عليه فهو إذا صار يأخذ منه كتابته فكأنه يأخذ منه ثمن رقبته، ألا ترى أنه إن عجز صار رقيقا له، فكيف يجوز له أن يقتضي منه ثمن رقبته وهو إن عجز عن أداء الذي يقتضيه منه فرق بالعجز عتق عليه بالرحم؟ قيل له: فإن ورثه؟ قال: فذلك أبين أن الكتابة موضوعة عنه ساعة يرثها من إذا ملكه عتق عليه.
قال محمد ابن رشد: ولو أوصى بكتابة من يعتق عليه لعتق عليه إن قبل الوصية، قاله أصبغ في نوازله في آخر الكتاب، ومعناه أنه تسقط عنه الكتابة فيعتق ويكون ولاؤه للذي عقد كتابته، وهو مذهب ابن القاسم في هذه الرواية، ولا أعرف في المذهب في ذلك نص خلاف، قال أصبغ في النوازل المذكورة: وذلك بخلاف إذا أوصى له بثمن من يعتق عليه لإنه إنما له الثمن بعد بيعه وليس بيعه في يديه، وبالله التوفيق.

.مسألة قال أنت حر على أن عليك خمسين دينارا:

ومن كتاب الصبرة:
وقال فيمن قال: أنت حر على أن عليك خمسين دينارا: فالعبد بالخيار إن شاء أن تكون الخمسون دينارا عليه ويتبع بها ويعجل له الحرية فذلك له، وإن كره أن يكون غريما بها فلا عتاقة له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها ثلاثة أقوال أحدها قول ابن القاسم في هذه الرواية، والثاني قول مالك في المدونة إنه حر، والمال عليه بمنزلة قوله أنت حر بتلا وعليك كذا وكذا والثالث قول ابن القاسم في العتق الثاني من المدونة أنه إن قبل كان حرا إذا أدى المال كالكتابة، وإن لم يقبل فلا حرية له، إلا أن يفرق على مذهبه بين قوله أنت حر على أن عليه كذا وكذا أو أنت حر على أن تدفع إلي كذا وكذا، فقد فرق بين ذلك، وللتفرقة بينهما وجه، وقد قيل: إن هذين اللفظين سواء بخلاف قوله على أن تؤدي إلي كذا وكذا.
والصواب أن لا فرق بين أن يقول على أن تدفع أو على أن تؤدي وأن ذلك بخلاف قوله على أن عليك، فالأظهر من قوله على أن يؤدي أو على أن يدفع أن العتق بعدى الأداء، والأظهر من قوله على أن عليك أن الأداء بعد العتق، ويتخرج في المسألة قول رابع، وهو أن يكون حرا إذا أدى المال شاء أو أبى على مذهب من يرى جبر العبد على الكتابة، وهل هذا يختلف في الذي يقول لعبده أنت حر على أن تخدمني ما عشت؟ فقال المغيرة: هو كالمدبر لا يقدر على بيعه، وقال عيسى عن ابن القاسم في المدنية: أراه حرا الساعة، وليس عليه خدمة، قال: ولو قال: أنت حر على أن تخدمني عشر سنين كان حرا الساعة وسقطت الخدمة، وقال في آخر كتاب المدبر من المدونة ينظر في ذلك، فإن كان عجل العتق وجعل الخدمة بعده فهي ساقطة، وإن كان أراد أن يعجل عتقه بعد الخدمة فهو كما قال، لا يعتق حتى يخدم.
وإنما وقع هذا الاختلاف في هذه الألفاظ لاحتمال أن يريد بكل لفظ منها إيجاب المال على العبد بعد العتق برضاه وبغير رضاه.
فالاختلاف المذكور فيها إنما ينبغي أن يكون إذا لم يكن سؤاله عما أراد بذلك، وأما إذا أمكن ذلك ولم يفت سؤاله فيسأل، فإن قال: أردت بذلك إيجاب المال عليه بعد الحرية إن رضي صدق قوله وكان الجواب في ذلك ما قاله في هذه الرواية، وإن قال أردت بذلك إيجاب المال عليه بعد الحرية وإلزامه ذلك بتلت حريته ولزمه المال في قول مالك، ولم يلزمه عند ابن القاسم، وإن قال: أردت أن لا يعتق حتى يؤدي المال إن رضي كان ذلك على ما قال إن رضي العبد بذلك كان مكاتبا، وإن لم يرض بقي رقيقا، وإن قال: أردت إلزامه العتق بعد الأداء شاء أو أبى جرى ذلك على الاختلاف في جبر السيد عبده على الكتابة، ومسألة آخر كتاب المدبر من المدونة التي ذكرناها تدل على ما قلناه من سؤال السيد، والله الموفق.

.مسألة قال إن بلغت غنمي ألفا وأنا حي فأنت حر:

ومن كتاب أوله أول عبد أبتاعه فهو حر:
قال: وسألته عن الرجل يعطي غلامه مائة شاة أو مائة بقرة أو نحو ذلك فيقول أصلح إليها وأحسن بتفقدها، فإذا بلغت ألفا أو نحو ذلك مما يقول فأنت حر، فيموت السيد قبل أن تبلغ ما كان السيد ذكره من العدة التي جعل له الحرية إذا بلغتها الغنم أو البقر.
قال: لا حرية له، والورثة يبيعونه إن شاؤوا ويقتسمون الغنم والبقر، قلت: أرأيت إن صارت بعد موت السيد إلى تلك العدة قبل أن يقتسمها الورثة أو يخرجوها من يد العبد أو يكون بذلك حرا؟ فقال: لا؛ لأنه بمنزلة رجل قال: إن بلغت غنمي ألفا وأنا حي فأنت حر، فلما مات لم يلزم الورثة من ذلك الشرط شيء.
قلت: أرأيت إن أراد السيد في حياته بيع العبد أو إخراجه من الغنم أو إدخال غيره فيها لما رأى من تضييعه إياها أو أراد بيع الغنم أو شيئا منها لبعض حاجته أيمنع أم يوقف العبد وتوقف الغنم في يديه لا يبيعه ولا يبيعها ولا شيئا منها؟ وكيف إن رأى ضيعة فيها تلف الماشية على يدي العبد أيقره؟ وقال أصبغ عن رجل كاتب عبده على غنم كانت له في يد العبد على أن يبلغها ثلاثمائة أو أقل من ذلك أو أكثر إلى أجل هل تصح الكتابة؟ وكيف إن مات السيد قبل أن تتم الغنم أو ماتت الغنم كلها أو بعضها أو مات جميعها قبل الكتابة أو بعد الكتابة؟ قال أصبغ: لا تعجبني هذه الكتابة وليست من كتابة المسلمين، وأرى إن وقعت ونزلت وعقد ذلك له أن يتمه كما لو استأجره بمال دفعه إليه ويشترط له حريته بربحه فيه إذا بلغ كذا وكذا، فهو عقد عتق بشبهة فينفذ، فإن كان له أجل وجاء أجله وعجز رق وعجز، وإن لم يكن له أجل فإلى مقدار ما يرى من سعي مثله وكتابة مثله بأجل مثله، ورأيت ذلك له ثابتا، وإن مات السيد فإن أتمه بعد موت السيد فذلك له، وإن عجز عجز لعجزه في حياته بعد حد ذلك ووقته لما يرى، وإن لحق السيد دين لم أر أن يضره ذلك إن كان محدثا بعد الذي عقد له.
وإن ماتت الغنم فإن العبد على رأس أمره إلى حده الذي كان يرى، أو إلى أجله، فإن قام بذلك فرجا من حيث طمع حتى يبلغه كان ذلك له، ولا أرى عليه إعلاق ما بقي، ولا أرى عليه في الأموات التي كان دفع الأشياء، وأرى أن تجعل الأموات ها هنا كالحية التي لم تمت ويحسبها ويقوم بما بقي، وأرى هذا إلى العبد إن شاء أن يمضي وإن شاء أمكن من نفسه، وليس للسيد إلزامه إياه، فإن فعل وإلا عجز إن شاء، وسواء عليه دفعها إلى السيد أو ماتت في يد العبد.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة ها هنا وفي أول رسم سماع أصبغ بعد هذا من هذا الكتاب، وفي رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب العتق، فلم يرها ابن القاسم ها هنا ولا في سماع أصبغ بعد هذا كتابة وقال في ذلك: إنه إنما عتق أوجبه لعبده إن بلغت الغنم في حياته العدد الذي سمى، ورآها في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب العتق كتابة، وقال أصبغ ها هنا: إنها كتابة إذا لفظ بها بلفظ الكتابة، وهو ظاهر ما وقع له في أول رسم من سماع أصبغ بعد هذا، ولم يفرق ابن القاسم بين أن يلفظ بلفظ الكتابة فيقول: إذا كاتبتك على أن تقوم على هذه الغنم، وإذا بلغت كذا وكذا فأنت حر ولا يلفظ بلفظ الكتابة، فيقول له قم على هذه الغنم فإذا بلغت كذا وكذا من العدد فأنت حر، بل اختلف قوله في ذلك اختلافا واحدا؛ لأنه إذا حكم لها بحكم الكتابة ولم يلفظ بلفظ الكتابة على ما وقع من قوله في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب العتق فأحرى أن يحكم لها بحكم الكتابة إذا لفظ فيها بلفظ الكتابة وإن لم يحكم لها بحكم الكتابة إذا لفظ فيها بلفظ الكتابة على ما وقع من قوله في سماع أصبغ بعد هذا، فأحرى أن لا يحكم لها بحكم الكتابة.
وتفرقة أصبغ على ما يظهر من مذهبه بين أن يلفظ بلفظ الكتابة أو لا يلفظ به قول ثالث في المسألة، ومن حكم لها بحكم الكتابة إذا لفظ فيها بلفظ الكتابة أو إذا لم يلفظ به على ما ذكرناه من الاختلاف في ذلك، فلم يراع التعبير في الغنم الذي دفع إليه وأبطل الشرط في تعينها وجعله مكاتبا بعدد ما زاد من الغنم على ما دفع إليه إلى الأجل أنه سمي له أو إلى ما يضرب له من الأجل إن لم يسم له أجلا تلفت الغنم التي دفع إليه أو لم تتلف، وهو نص قول أصبغ في هذه الرواية على أصله في أن الكتابة على الشرط الفاسد تجوز ويبطل الشرط؛ لأنه قال: الغنم إن ماتت فهو على رأس أمره إلى حده الذي كان يرى أو إلى أجله يريد الذي سمي إن سمى أجلا، وبين ما ذكرناه من أن الكتابة على مذهب من يجيزها إنما يراها كتابة بما زاد العدد على ما دفع إليه، قوله: إن الغنم الذي دفع إليه محسوبة له كانت حية أو ميتة ماتت في يديه أو بعد أن دفعها إلى سيده، فإن كان كتابته بأن دفع إليه مائة من الغنم على أنه حر إذا بلغت ثلاثمائة فإنما هو مكاتب بما يتبين؛ لأن المائة التي دفع إليه محسوبة له على كل حال في الثلاث المائة التي كاتبه عليها، كانت حية أو ميتة، ماتت في يديه أو بعد أن ردها إلى سيده، ومن رآها كتابة لم يضرها عنده الدين المستحدث على ما قاله أصبغ في هذه الرواية، ومن لم يرها كتابة وإنما جعله عتقا بشرط بلوغ الغنم العدد الذي سمي في حياته رأى الدين المستحدث يبطله على ما قاله ابن القاسم في أول سماع أصبغ، فكل واحد منهما شيء على أصله.
ولما سأله يحيى في هذه الرواية: هل له على أصله فيها أنها ليست بكتابة أن يبيع العبد أو الغنم أو يدله منها لما خشي من تضييعه إياها سكت له عن الجواب على ذلك، فأما إدالته منها وإدخال غيره مكانه فيها فلا إشكال في أن ذلك له، وأما بيعه للعبد أو الغنم فيجري على ذلك على اختلاف قول مالك وابن القاسم في الذي يقول لعبده: أنت حر إذا قدم فلان هل له أن يبيعه أم لا؟ لأنه لم يجعلها كتابة وإنما رآه معتقا إلى أجل قد يأتي وقد لا يأتي، فأشبه قوله: أنت حر إذا قدم فلان، والله أعلم، وفي المدنية لابن القاسم من رواية عيسى عنه مثل نص قوله في هذه الرواية، وفيها لابن كنانة أنه سئل عن رجل قال لغلامه: أكاتبك على أن أعطيك عشر بقرات، فإذا صارت خمسين فأنت حر فهذه كتابتك، فرضي بذلك العبد. قال ليست هذه كتابة ومتى ما علم بهذا فسخ، قال: ولكنه إن جاء بالبقرات وقد صارت خمسين قبل أن يعلم بها وسيده حي عتق، قال: فإن مات السيد لم تكن تلك الكتابة شيئا وكان موروثا هو والبقرات، وليس قول ابن كنانة مخالفا لقول ابن القاسم؛ لأن معنى قوله: إنها ليست بكتابة ويفسخ متى ما علم بها يريد ويكون الحكم فيها إذا فسخت ما قاله بعد ذلك من أنه يعتق إن صارت البقرات خمسين في حياة سيده، وهو نص قول ابن القاسم في المدنية، وفي هذه الرواية خلاف قوله في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب العتق وخلاف قول أصبغ أيضا، وبالله التوفيق.

.مسألة ولد المكاتبة يدخل معها في كتابته:

من سماع محمد ابن خالد من ابن القاسم قال محمد بن خالد سألت ابن القاسم عن رجل أوصى ورثته فقال: إن أعطتكم فلانة- في جارية له- ثلاثين دينارا فأعتقوها فغفل ورثته عنها من بعد موته حتى ولدت، ثم إنهم اقتضوا منها الثلاثين دينارا فأعطتها إياهم هل تعتق هي وولدها؟
فقال: لا يعتق غيرها وقد سألني عنها رجل بالإسكندرية فأخبرته مثل ما أخبرتك فقال لي: إنها وقعت فكتب بها إلى مالك فأجاب فيها بجوابك، قلت لابن القاسم: فرجل قال لجاريته: إن جئتني بمائة دينار إلى سنة فأنت حرة فقبلت، ثم إنها ولدت من قبل أن تأتي السنة هل تعتق هي وولدها إن هي أعطته المائة أو هل يبيعها من قبل أن تأتي السنة، قال ابن القاسم: أما ولدها فلا يعتق معها وليس له أن يبيعها حتى تعطي المائة عند السنة أو لا تعطي.
قال محمد بن رشد: أما قوله في المسألة الأولى إن ولد الجارية لا يعتق معها إن أعطتهم الثلاثين فهو بيّن على ما قاله؛ لأنها ولدت الولد قبل أن يجب لها العتق؛ إذ هي مخيرة بين أن تعطي الثلاثين أو لا تعطها، ويدخل في ذلك من الاختلاف بالمعنى ما في دخول ولد المحلوف بحريتها معها في اليمين التي الحالف فيها على بر، وقد مضى ذلك في غير ما موضع من كتاب العتق وغيره.
وأما قوله في المسألة الثانية: إن ولدها لا يعتق معها فهو بعيد مخالف للأصول؛ لأنهم مجمعون على أن ولد المكاتبة يدخل معها في كتابته، وهذه كتابة بينة إذا قبلت ما أعطاها السيد؛ إذ لا وجه لقبولها ذلك إلا التزامه، وإذا التزمته صارت كالمكاتبة لم يكن لها أن لا تؤدي المائة عند السنة وتعجز نفسها إلا أن لا يكون لها مال ظاهر، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم أنها إنما قبلت أن يكون إليها ما جعل إليها من أن تأتي بالمائة إن شاءت فتعتق أو لا تأتي بها فلا تعتق، وهذا بعيد لأن ذلك يجب لها بقول السيد، وإن لم تقل: قد قبلت، وقد مضى في رسم الصبرة من سماع يحيى من كتاب العتق ما فيه بيان هذا العتق، وبالله التوفيق.

.مسألة ميراث مكاتب المكاتب إذا أعتق:

ومن سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن المكاتب يكاتب عبده فيعتق الأسفل ثم يموت عن مال وللمكاتب الأول أولاد أحرار من امرأة حرة وأولاد أحرار كانوا معه في الكتابة عجل السيد عتقهم برضاه، أيرثون هذا المكاتب الأسفل إذا مات وقد أعتق؟ قال: لا.
قلت له: فإن كان المكاتب الأول بقي معه في كتابه بعض ولده فمات وترك مالا فيه وفاء؟ قال ابن القاسم: يؤدي الذين معه في الكتابة بقية الكتابة، ويكون بقية المال بينهم دون الأحرار الذين عجل عتقهم وغيرهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، من أن ميراث مكاتب المكاتب إذا أعتق لا يكون لوُلد سيده المكاتب له الأحرار ما دام على كتابته؛ لأن ولاء المكاتب الأسفل إذا عتق إنما هو للمولى الأعلى ما دام المولى الأسفل على كتابته، فإن أدى كتابته رجع ولاء كتابته، فما لم يؤد كتابته لم يجب له ولاء من أعتق من مكاتبيه، فما لم يجب له لا يصح أن يرثه عنه ورثته الأحرار.
وقوله: إن المكاتب الأول إذا مات وترك مالا فيه وفاء بكتابته وله ولد معه في كتابته وولد أحرار، إن ولده الذين معه في كتابته يؤدون مما ترك بقية كتابته ويكون ما فضل لهم دون ولده الأحرار، فهذا نص قوله في المدونة والموطأ وغيرهما من الدواوين، ولا اختلاف أحفظه في أنهم أحق بميراث أبيهم من ولده الأحرار إذا مات وترك وفاء من كتابته وفضلا وإنما يختلف هل يكون أحد منهم بولاء مكاتب أبيهم الذي أدى فعتق قبل موته، فقيل: إن الولاء لا ينجر إليهم عن أبيهم إذا أدوا كتابته مما ترك ويكونون أحق به من ولده الأحرار، وقيل: إنهم لا يكونون أحق منهم ويدخلون معهم، اختلف قول مالك، وقع اختلاف قوله في ذلك في المبسوطة، وقال ابن كنانة: ليس لواحد منهم من ولاء مكاتب أبيهم شيء؛ لأنه مات قبل أن يعتق، فولاء مكاتبه للسيد ولو أدى كتابته فعتق قبل أن يموت لرجع إليه ولاء مكاتبه وورثه عنه جميع ولده الذين كانوا معه في كتابته والأحرار الذين لم يدخلوا معه في كتابته، ولو مات ولم يترك وفاء من كتابته فسعى ولده في بقيتها فعتقوا لم يكن لهم من ولاء مكاتبه شيء ولا للأحرار الذين لم يدخلوا في الكتابة، وكان ولاؤه للسيد، فقف على افتراق هذه المواضع الثلاثة إذا أدى المكاتب كتابته في حياته، وإذا أداها بنوه مما تخلفه وفاء بها فسعوا في بقيتها، وقد مضى في رسم إن خرجت من سماع عيسى تحصيل الاختلاف فيمن يرث المكاتب ممن هو معه في كتابته إذا مات قبل أن يؤدي كتابته فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة المكاتب إذا مات وترك وفاء بكتابته وله أم ولد وولد منها أو من غيرها:

وقال ابن القاسم، في المكاتب يموت ويترك أم ولده وولدًا له منها أو من غيرها وترك المكاتب مالا فيؤدي عنه فيعتقون، قال: لا يرجعون عليه بشيء، وكذلك لو لم يترك مالا فسعوا عتقت بأدائهم.
قلت: فإن لم يكونوا ولدها ولكنهم ولد المكاتب من غيرها؟
قال: هم بمنزلة ولدها، قلت: فإن إخوة المكاتب وليس معها ولد وقد ترك وفاء أو لم يترك وفاء؟ قال: سواء، يعتق الإخوة وتكون أما لهم، وإنما تتم حرمتها مع ولده منها ومن غيرها.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المكاتب إذا مات وترك وفاء بكتابته وله أم ولد وولد منها أو من غيرها فيؤدي عنهم فيعتقون، إن الولد لا يرجعون على أم الولد بشيء كانت أمهم أو لم تكن أمهم- صحيح؛ لأنه لو أدى هذا الكتابة لم يرجع على أم ولده بشيء، فكذلك لا يرجعون هم عليها بما أدوا من ماله، كانت أمهم أو لم تكن أمهم، ولو لم يترك مالا فعتقت بسعيهم رجعوا عليها بما أدوا عنها إن لم تكن أمهم على مذهب ابن القاسم؛ إذ ليست ممن تعتق عليه، ولم يرجعوا عليها على مذهب أشهب في أن المكاتب لا يرجع على من معه في الكتابة بما أدى عنه إذا كان من ذوي محارمه، وإن كان مما لا يعتق عليه، وقد مضى هذا من قول أشهب والاختلاف فيه في رسم إن خرجت من سماع عيسى.
وأما قوله: إن لم يترك المكاتب ولدا وترك إخوة، فسواء ترك وفاء أو لم يترك لا يعتق الولد بعتق الإخوة، وتكون أمة لهم، هو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، ولأشهب في كتاب ابن المواز: أنه إن ترك وفاء عتقت مع الأب والأخ، وإن لم يترك وفاء رقت، ولا تعلق في سعيها بعد ذلك، فاتفق ابن القاسم وأشهب على أنها تسعى مع الولد ولا تسعى مع الأب والأخ، واختلفا هل تعتق بعتقهما إذا ترك وفاء؟ فقال ابن القاسم: إنها لا تعتق بعتقهما، وقال أشهب: إنها تعتق بعتقهما، وبالله التوفيق.